فن وثقافة

لماذا وصلت سوريا إلى وضعها الكارثي؟

بيروت – انديرا مطر |

قد يكون تأخر كثيراً صدور الترجمة العربية الكاملة لكتاب الباحث المستعرب الفرنسي ميشال سورا «سوريا الدولة البربرية»، وفق عنوانه الفرنسي، و«سوريا الدولة المتوحشة» في ترجمته العربية الصادرة في مطلع هذا العام عن «الشبكة العربية للأبحاث والنشر» بترجمة كل من أمل سارة ومارك بيالو، وتقديم كل من برهان غليون وجيل كيبك، كما ساهم الأكاديمي اللبناني المقيم في باريس زياد ماجد بالاهتمام بصدور الكتاب.

تعود أهمية كتاب سورا هذا عن سوريا، إلى أنه حلل فيه كيفية تكوّن نظام الأسد ووصف آليات اشتغاله، على ما يكتب برهان غليون في مقدمته، معتبراً ان الكتاب وثيقة انثروبولوجية نادرة عن نظام الأسد وعمله وأساليب حكمه. وفي الكتاب مفاتيح أساسية للإجابة عن سؤال: لماذا وصلت سوريا إلى الوضع الكارثي الذي نعرفه اليوم؟ واستراتيجية الحرب التي يخوضها نظام الأسد الابن اليوم رداً على الثورة التي فجرها السوريون لكسر قيودهم، لا تختلف عن أي سلطة احتلال على ما حلل ميشال سورا منذ ما يقارب أربعة عقود.

من هو ميشال سورا؟
هو فرنسي مولود في تونس العام 1947. أقام في بيروت فترات متقطعة منذ العام 1971، بعد دراسته علم الاجتماع في جامعات فرنسا. تابع دراسة اللغة العربية من سنة 1972 حتى 1974 في دمشق حيث عُيّن أستاذاً زائراً في المعهد الفرنسي للدراسات العربية. في 21 مايو 1985، كان آتيا من باريس عندما اختطف على طريق مطار بيروت. الخاطف هي منظمة الجهاد الإسلامي، إحدى الخلايا الأولى لحزب الله في لبنان. وقد تُرك سورا في معتقله يموت مما يعانيه من مرض لتعلن المنظمة الخاطفة سنة 1986 انها أعدمته بصفته جاسوسا، لتختفي جثته التي لم تظهر ألا بعد نحو 20 سنة في حرش القتيل في ضاحية بيروت الجنوبية. من أسباب اختطافه تضمين مقالاته في الصحف الفرنسية معلومات نادرة عما حصل في سوريا مطلع الثمانينات من القرن العشرين ابان الصدام الدموي بين نظام الأسد وتنظيم الاخوان المسلمين.

تمزيق المجتمع
يقوم الطغيان الاسدي على تمزيق المجتمع. فالسلطة الأسدية تعرف تماماً كيف تعمق الشروخ والتباينات والاختلافات الاجتماعية والمذهبية والعرقية بين فئات الشعب، بل هي تفتعلها وترسخها بمهارة مذهلة، في حال عدم وجودها. هذا مايسميه سورا «سياسة الجذمور». والجذمور نبتة طفيلية لا يمكن اقتلاعها، لأن ليس لها جذر ومركز محددان. وهي موجودة وتعيش في الوسط بين الأشياء ومنها تتغذى. يطبق سورا ذلك على نظام الأسد: جمّع الأسد القوى السياسية الموالية لنظامه في سوريا تحت لواء الجبهة الوطنية التقدمية، وعقد صلات متباينة مع منظمات حليفة في العالم العربي مثل: الحركة الوطنية اللبنانية، والمقاومة الفلسطينية. وقام بتوقيع معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية. ثم عقد تحالفا استراتيجياً مع الثورة الإيرانية الخمينية.
السفاحون وجمعية المرتضى
قام الأسد بتجميع الطائفة العلوية تحت غطاء جمعية المرتضى الطائفية ووضعها تحت اشراف أخيه جميل الأسد. كانت هذه الجمعية تحرّض سكان الأرياف ضد اهل المدن التي تُعدُّ حامية الإسلام ومركز الحراك الشعبي في سوريا. وأثارت شعوراً بالكراهية والنقمة موروثاً عن علاقة ضاربة في القدم بين الفلاح والمدينة، بين علويي الجبل وسنة السهول. وكان من أهداف جمعية المرتضى توحيد الطائفة العلوية لجعلها طائفة سياسية تسيطر على الدولة عبر سيطرتها على الجيش والمؤسسات الأمنية. العنف هو السبيل الى هذه السيطرة. تمارس هذا العنف جهات متعددة: الوحدات الخاصة التابعة لعلي حيدر، سرايا الدفاع التابعة لرفعت الأسد، الفرسان الحمر التابعون لعلي عيد. ميشال سورا يسمي هؤلاء وأمثالهم السفاحين المتنفذين غير المسؤولين عن أفعالهم إلا أمام رئيسهم المعروف بالمعلم (حافظ الأسد) الذي يدينون له بالولاء والخضوع المطلق، على غرار شيخ الجبل عند فرقة الحشاشين الاسماعيلية في القرن الثالث عشر الميلادي. ومن أساليب السيطرة الأسدية أيضا الاغتيالات، القتل الجماعي، الاعدامات بلا محاكمة، الخطف العشوائي، إعدام السجناء في زنزاناتهم.

أصل الإرهاب وفصله
عندما يصف ميشال سورا ما كان يقع في سوريا الثمانينات يبدو كأنه ما حصل بالأمس في حمص بعد التفجيرات الانتحارية، ليصرح مندوب النظام السوري الراهن في جنيف بأن الرسالة وصلت. رسائل القتل هذه أسسها نظام الأسد منذ بدايته على شكل عمليات إرهابية متواصلة: سيارة مفخخة في حي الفاكهاني في بيروت، حيث القيادة العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية. أو سيارة مفخخة في صيدا لثني ياسر عرفات عن التصرف بمفرده في حال تفاوض محتمل حول المسألة الفلسطينية. أو سيارات مفخخة في عمان واختطاف دبلوماسي أردني في بيروت لتمرير الرسالة نفسها للملك حسين. بضع رشقات نارية من سلاح اتوماتيكي عند باب كنيس يهودي في فيينا او في بروكسل، لتذكير الرأي العام العالمي ان الفلسطينيين ارهابيون غير قابلين للإصلاح.
هناك أشكال أخرى للتهديد والابتزاز الأسديين: ابتزاز وتهديد مستشارين من دول الخليج في نهاية كل شهر، لتذكير هذه الدول بدفع إتاواتها لدولة الأسد تحت بند النضال العربي ضد إسرائيل. وينقل ميشال سورا عن ياسين الحافظ، السوري الهارب من نظام الأسد الى بيروت، قوله ان لغة الإرهاب التي ابتكرها الأسد أصبحت قناة عادية كمثل القنوات الدبلوماسية المعتادة.

كاتب قصة موته
في الصفحة 60 من كتابه يكتب سورا كما لو انه يؤرخ لنهايته الشخصية: فالضحية التي يختارها الاسد تختفي من دون أن يتبنى أحد عملية اختفائها. لكن الضحية تظهر فجأة من جديد ودائماً في حال التوصل الى حل للموضوع.. هكذا عُثر على جثة سورا في حرج القتيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق