اقتصاد

أسباب الفساد ومضاره.. وعلاجه

مروان-سلامة

الفساد هو استخدام منصب سلطة للاستفادة الشخصية بغير وجه حق. ويشمل الرشوة، السرقة والاختلاس، التهديد والابتزاز، ومنح أفضليات لفئات محدودة. كما يشمل الكسل والتخاذل في أداء العمل الذي يتَقاضَىَ عنه راتب أو مكافأة.
الفساد منتشر بشكل واسع من قمم المناصب العامة إلى الحارس الذي يُدْخِلُ غير المُصَّرَحِ لهم الدخول. وقد يُفَلْسِفُ البعض بأن الفساد في القمم أسوأ وأعظم من البخشيش البسيط الذي يتسلمه حارس العمارة المسكين، ولكن المبدأ واحد. فبقبول الفساد الصغير، نبارك ضمنياً الفساد الكبير. فأين نرسم الخطوط الحمراء بين الفساد الصغير الذي يمكن غض النظر عنه، وبين الفساد والأكبر قليلاً، وثم الأكبر كثيراً، وثم الفساد العظيم؟
الفساد آفة قديمة جداً، ويعود تاريخها لعمر البشرية. فهو موجود ومذكور لدى الفراعنة وعند السومريين قبل خمسة آلاف سنة، وعند قدماء اليونانيين واشتكى منه أفلاطون وسقراط قبل الفين وخمسمئة سنة، وموجود لدى الدولة الرومانية قبل الفي سنة،…إلخ – وما زال موجوداً ليومنا هذا، ولكن بأشكال مختلفة حسب مستوى تطور البلد وثقافته والقوانين والإجراءات السائدة فيه.

العوامل المساعدة

يتواجد الفساد في مؤسسات الدولة، وفي القطاع الانتخابي، وفي القطاع التعليمي، وفي المشاريع الخيرية أو الدينية. ويتغذى وينمو بتوافر العوامل التالية:
1 – تضارب المصالح لدى أصحاب القرار.
2 – ضبابية حول ما هي الخدمات والمعاملات الحكومية المقدمة، وما شروطها.
3 – منح الموظفين صلاحيات البت في الأمور اليومية حسب مزاجهم أو تقديرهم، لا حسب شروط واضحة وثابتة ومطبقة على الجميع.
4 – منح كبار الموظفين سلطة الفصل والبت في الحالات الاستثنائية أو الخلافية حسب رؤيتهم التي تختلف من شخص إلى شخص.
5 – ضعف الشفافية.
6 – ثقافة المجتمع التي تغض النظر عن الفساد ولا تحاربه بشدة ولا تنبذ أصحابه.
7 – وكما ذكر السيناتور والمؤرخ الروماني تاسيتاس Tacitus (قبل ألف وتسعمئة سنة): «كثرة القوانين تشجع على نمو الفساد».

أهم المضار

أ – يفرق بين أعضاء المجتمع الواحد ويدمر مفهوم العدالة والمساواة.
ب – يضعف شعور الانتماء للبلد، ويحول ولاء المواطنين: من الوطن إلى جهة منفعتهم.
ج – يرفع تكاليف مشاريع القطاع الخاص، فتقل عوائدها مما يقلص حجم الاستثمار الجديد، فيبطأ نمو الاقتصاد وتتقلص الوظائف المتوافرة للمواطنين.
د – وأخيراً، الفساد كالتفاحة الفاسدة في الصندوق، سرعان ما تفسد بقية التفاح.

كيف يمكن المعالجة؟

تختلف أساليب معالجة الفساد من بلد إلى بلد، حسب مستوى تقدم كل بلد والثقافة السائدة فيه، ولكن أهمها هو إغلاق ثغرات الفساد. فهي أسهل وأرخص وأسرع بكثير من محاولة اكتشافها ومعاقبة مقترفيها. ومن أهم خطوات الإغلاق:

أولا – تقليص المزاجية في العمل

1 – إصلاح خطوات وإجراءات العمل: إعادة رسم وتوثيق الدورات المستندية والتشغيلية لجميع المهام في مؤسسات الدولة، مما يُمَكِّن الجمهور من قياس جودة وسرعة أداء موظفي الحكومة والتحرر من وساطتهم.
2 – تحديد الخدمات المقدمة: تدَوَّن تفاصيل جميع الخدمات المقدّمة للجمهور، مع تبيان متطلبات كل خدمة من شروط ومستندات. هذا سينور المواطنين عن حقوقهم، ويسلب الموظفين القدرة على رفض المعاملات مزاجياً.
3 – الاستثناءات: تدرس جميع الاستثناءات من قبل لجان متخصصة وتدون مبرراتها.
4 – المشتريات: تعلن شروط ومواصفات احتياجات الوزارات بشكل واضح، وتدرس العروض المقدمة من قبل لجان تدون قراراتها.
5 – رأي التجار: يطلب من الموردين التعليق على أسلوب كل مناقصة، والتظلم بشأن الإجراءات والقرارات.
6 – الأوامر التغييرية: يفتح تحقيق رسمي في كل أمر تغييري، وفي حال اكتشاف اهمال أو تقصير، ويُحَمَّل مسببها المسؤولية.
7 – المخالفات: تعرض جميع مخالفات الأفراد والشركات على لجان متخصصة، تدون قراراتها لطمأنة المواطنين بأن القوانين تسري على الجميع، ولم يستهدف أي منهم.
8 – التعيينات: إخضاع جميع التعيينات الجديدة لشروط واحدة لكل وظيفة، وتعزز باختبارات مهنية سرية أو حتى بالقرعة.
9 – القبول في المعاهد والجامعات: كما في التعيينات للوظائف العامة.
ثانياً- معالجة تضارب المصالح

● إعادة تأكيد عدم جواز الجمع بين الوظيفة الحكومية والوظيفة الخاصة أو التجارة، بما في ذلك الشركات المسجلة بأسماء الأقارب لغاية الدرجة الثالثة.
● طلب افصاحات ذمم مالية سنوية لجميع المسؤولين.

ثالثاً- تقليص القوانين الكثيرة

كثرة القوانين والقرارات تعرقل العمل وتفتح المجال للفساد. وأسوأها القوانين والقرارات غير الواضحة، أو المتناقضة، أو المؤقتة التي نساها مصدروها. لذلك، يعاد تقييم جميع القوانين والقرارات السائدة، ويلغى ما هو غير عملي وغير ضروري.

رابعاً- تشجيع الثقافة الاجتماعية ضد الفساد

هذا يتم من خلال المدرسة، والمسجد، والاعلام الحكومي المدروس والمركز.

خامساً- تفعيل هيئة الفساد

مع اصدار اللائحة التنفيذية، يمكن لهيئة الفساد الآن مباشرة عملها، على الا تعتمد فقط على افصاحات المراكز المالية أو وشي الواشين الصالحين، وإنما تأخذ المبادرة بالتحري والبحث المستقل في بؤر الفساد الكثيرة. كما عليها الاستفادة من القوانين والمعاهدات الدولية في مجال محاربة الفساد، والتي تحتوي كنزا من المعلومات عن الدفعات والرشى من وإلى المسؤولين والتجار والوسطاء الفاسدين.
هذه الخطوات الأولى لمعالجة الفساد، ولكن لن تنجح من دون بروز ثقافة اجتماعية جديدة تنبذ جميع أنواع الفساد. وهذا يُذَكِّرنا بحوار دار قبل الفين وخمسمئة سنة بين الفيلسوف سقراط وتلاميذه. فقد سألهم عن الظلم (بما فيه الفساد). فأجمع التلاميذ على ذم ونبذ الفساد إلا تلميذا واحدا رأى أن الفساد والظلم والسرقة وسيلة جيدة للثراء، وأنها تعكس طبيعة الانسان الجشعة الظالمة. ولما أنَّبَهُ سقراط وذَكَّرَهُ بغضب الالهة على اللصوص والظالمين، أجابه التلميذ بأن الالهة تحب الذين يقدمون لها القرابين، وأنه سوف ينهب ويظلم ويُكَّوِنُ ثروةً يقتطع منها العُشْر ويقدمها قرباناً للصفح عن ذنوبه!
لقد هدانا الله عز وجل إلى دين الحق، ولكن ما زال جوهر فكر التلميذ الوثني الظالم سائداً لدى أغلبية الفاسدين الحاليين.

بقلم مروان سلامة
msalamah@marsalpost.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق