اقتصاد

ترامب مخيف نفطياً.. لماذا؟

عبدالحميد-العوضي-2

كانت حرب عام 1973 التي خاضها العرب ضد اسرائيل لتحرير الاراضي العربية المحتلة حرباً تختلف كثيرا عن سابقاتها من الحروب العربية مثل حرب عام 1967 والتي خسرها العرب، ليحقق العرب أول انتصار في حرب 1973. وكان لاستخدام النفط كسلاح رادع وحظر تصديره لأول مرة الدور الفعال في تحويل مسار تلك الحرب، عندما قامت الدول الخليجية بقيادة المملكة العربية السعودية بقطع امدادات النفط عن اميركا وحلفائها، بسبب مواقفها ضد القضايا العربية العادلة. هذا الحظر تسبب في تدهور عالم الصناعة والتجارة الاميركي والاوروبي وتضاعفت اسعار النفط من مستوى 2.7 – 3 دولارات للبرميل الى 12 – 15 دولاراً للبرميل للمستهلك الغربي.
بدأ الاميركان التفكير استراتيجيا في كيفية عدم التعرض لمثل هذه الظروف الصعبة مستقبلا بوضع سياسات تضمن تفادي قطع امدادات النفط واستمرار تدفقه باسعار مقبولة، وإضعاف سلاح حظر النفط الى الابد. ففي عام 1975 أمر الرئيس الاميركي جيرالد فورد بانشاء مخزون نفطي استراتيجي SPR يصل الى 745 مليون برميل من نفوط خفيفة وثقيلة، وسعى بعض الرؤساء المتعاقبين الى خلق سياسة توازن في منطقة الشرق الاوسط والحفاظ على امن واستقرار منطقة الخليج العربي. وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت هذه المنطقة حروباً اخرى مثل الحرب بين العراق وايران التي افرزت حرباً اخرى عرفت بحرب الناقلات عام 1984، تعرضت فيها ناقلات نفط كويتية لقصف الصواريخ الايرانية وتهديدها باغلاق مضيق هرمز مما دعا الرئيس رونالد ريغان إلى التصريح بعدم السماح لأي دولة باعاقة تدفق النفط الى الاسواق العالمية، لما يمثله النفط من اهمية قصوى، ورُفعت الاعلام الاميركية على بعض الناقلات الكويتية. وجاءت حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، وكانت المرة الاولى التي يُستخدم فيها المخزون الاستراتيجي الاميركي في يناير عام 1991، بعد توقف امدادات النفط الكويتي والعراقي، وحرق الابار النفطية الكويتية. ومعلوم ان الكويت والعراق كانتا تزودان اميركا قبل الغزو بما مجموعه 530 الف برميل يوميا، مما دعا الرئيس جورج بوش الى السحب من المخزون الاستراتيجي بواقع 490 الف برميل يوميا ولمدة شهر.
المجتمع الدولي كان يضغط دائما على منظمة اوبك عند ارتفاع اسعار النفط، خصوصاً على الدول الخليجية، لزيادة الانتاج لخفض الاسعار بغية تحسين الظروف الاقتصادية العالمية، كما حدث عام 2008 بعد الازمة الاقتصادية وهبوط سعر البرميل الى 37 دولاراً تحملت اوبك والدول الخليجية خاصة الجانب الاكبر من قطع الانتاج الذي وصل الى نحو 4 ملايين برميل يوميا، وذلك لرفع الاسعار. وخسرت الدول الخليجية حصصا في السوق النفطية مقابل دخول زيادات في الانتاج من روسيا والنفط الصخري الاميركي الذي انتعش مع بدايات عام 2009.
ان اهمية منطقة الخليج العربي تنطلق من كونها تحتوي على احتياطات هائلة من النفط والغاز وتمثل الحصة الخليجية نحو %44 من احتياطي النفط العالمي، ووجود اضخم حقلين في العالم هما حقل غوار السعودي وحقل برقان الكويتي. وتمثل الحصة الانتاجية الخليجية %53 تقريباً من الانتاج اليومي لأوبك، كما توجد ثاني اكبر محطة تزويد وقود للسفن بالعالم في الامارات، والتي تساعد السفن للقيام برحلاتها من اقصى الشرق الى اقصى الغرب، لذا حظيت هذه المنطقة باهتمام خاص من الرؤساء الاميركان السابقين. والسؤال لماذا قل هذا الاهتمام في الفترة الثانية للرئيس أوباما؟ كما ان الرئيس المنتخب دونالد ترامب كانت له العديد من التصريحات خلال حملته الانتخابية حول النفط ودول الخليج، وخص ايضا الكويت ببعض التصريحات. فهل هي عودة الى سياسة اعتصار الدولارات النفطية من الدول الخليجية؟ وهي سياسة قديمة بدأت منذ اكتشاف النفط في الجزيرة العربية، وما كانت اتفاقيات المشاركة بالانتاج Concession Agreements التي وقّعتها العديد من الدول الخليجية في الثلاثينات والاربعينات الا بداية. فمعظم تلك الاتفاقيات كانت تصب في مصلحة الشركات النفطية الكبرى حتى استطاعت الدول الخليجية الواحدة تلو الاخرى تأميم الصناعة النفطية واعادة رسم بعض الاتفاقيات من جديد، لتصب اكثر في مصلحة الدول الخليجية.
انه يمكن النظر الى تصريحات الرئيس المنتخب دونالد ترامب على انها افكار وقد تشكّل المبادئ الاستراتيجية الجديدة للسياسة الاميركية للمرحلة المقبلة، بغية تحسين ميزان المدفوعات. انه لا يمكن لأي رئيس دولة عظمى ان يغفل دور النفط كأهم عامل في استقرار الاقتصاد العالمي، وان النفط هو المحرك الاول لمصادر الطاقة في العالم، ومهم جداً في رسم التخطيط الاستراتيجي، وبالتالي رسم السياسات الخارجية. ان أحد أهم عناصر ثبات الاقتصاد الاميركي يرتكز على ثبات واستقرار الاقتصاد الخليجي، والذي هو جزء من الاقتصاد العالمي. وقد تتمثل المصالح الاميركية بالدرجة الاولى في مصالح الشركات النفطية الاميركية العملاقة مثل اكسون موبيل وشيفرون وكونكوفيليبس وشركات الخدمات البترولية مثل شلمبرجير وهاليبرتون والشركات الاستشارية مثل فلور وفوستر ويلر، وبالطبع الخدمات المصرفية مع البنوك الاميركية مثل جي بي مورغان وغولدمان ساكس، ومعظمها يعمل في منطقة الخليج العربي؟ وكل اليقين انها تعمل بامتياز وبمشاريع تدر مئات المليارات من الدولارات الاميركية خلال العقود الماضية.
كل الدروس السابقة تريد ان تعلمنا كيف علينا ان نبدأ مبكرا القيام باجراءات احترازية تحمي مصالحنا وليس البدء متأخرين، وعندها يصعب وضع الحلول المناسبة.
1 – وضع سياسات نفطية خليجية موحّدة لكل الانشطة النفطية مثل الانتاج والتكرير والنقل.
2 – وضع سياسات اقتصادية خليجية موحّدة، والتبادل التجاري الخارجي.
3 – وضع مشاريع نفطية كبرى بالشراكة الخليجية والاجنبية لعمليات انتاج النفط والغاز وبناء مصافي تكرير عالمية.
عبدالحميد العوضي
خبير متخصص في تكرير وتسويق النفط

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق