اقتصاد

ترامب والعرب.. علاقة «بزنس»

مروان-سلامة3

ترامب لا يكره المسلمين. وإنما جزء كبير من الشعب الأميركي يكره المسلمين، بسبب هلعه من الأعمال الإرهابية المنسوبة لهم والتي هَوَّلَتها الصحافة الغربية. فقد استغل ترامب هذا الكره كإحدى أدواته التسويقية لتقريبه من الناخبين خلال حملته للفوز بكرسي الرئاسة الأميركية.
ترامب رجل أعمال ولغته المال والصفقات مع الجميع، وربما، حتى مع الشيطان إن دعا الأمر. وبناءً على ذلك، لا يتصرف من مبدأ الحب أو الكره في تعاملاته وسياساته، وإنما لما فيه مصلحته – والآن لمصلحة أميركا. لذلك من المتوقع أن تستقر الأمور بعد انقشاع غبار المعركة الانتخابية، وتعود علاقات أميركا مع العالم إلى ما كانت عليه – أو قريبة من ذلك، فلا شك أن فلسفة ورؤية وتوجهات وأولويات ترامب كرئيس جديد ستنعكس عليها بعض الشيء.
ويتوقع أن يركز ترامب على تنشيط الاقتصاد وتخفيض العجز المالي، أكثر من على السياسة الصدامية التي اتبعها الرؤساء الذين سبقوه. وهذه مهمة صعبة تتطلب تقليص المصاريف وخصوصاً العسكرية، مما يعني تحول أميركا عن تطلعاتها للسيطرة الكلية على العالم وما يتبع ذلك من مغامرات خارجية، إلى التركيز على المشاكل الداخلية المهملة منذ عقود. كما أنه سيحاول انعاش التصنيع في أميركا وتخفيض الاستيراد، ويميل إلى إيقاف الاعتماد على النفط المستورد واستبداله بالنفط من أميركا الشمالية – مما انعش اسهم شركات النفط الكندية فور اعلان فوزه.
هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن أميركا ستتنازل عن مركزها القيادي والسيادي وهيمنتها على العالم، وإنما ربما تخفف من تصرفاتها العدائية والعسكرية تجاه الدول التي لا تتفق معها. فمن منطلق مفاهيمه البراغماتية، كرجل أعمال، يتوقع أن يحاول الاتفاق مع المناوئين لأميركا وأن يتعايش معهم من دون انتقاص كبير لمصالح الطرفين. ولكن، رجال الأعمال يفكرون في الربح والخسارة، أي أبيض وأسود، بينما السياسيون متعودون على التقلب وقبول المتناقضات ويسمونه «توافق» ويتلونون بجميع ألوان الطيف؛ لذلك يتوقع أن يكون ترامب متساهلاً مع الغير، ولكن حازماً تجاه الخطوط الحمر، التي سيخفض نقطة اختراقها، ولن يقبل أبسط الاختراقات بعد الاتفاق بشأنها.
أما بشأن الشرق الأوسط، فقد أعلن أكثر من مرة بأنها منطقة فوضى وتخبط بسبب السياسات الأميركية الخاطئة. وتشير كل المؤشرات إلى أنه يفضل الابتعاد عن الشرق الأوسط، أو على الأقل عدم التدخل الحميم بشؤونه. أما بالنسبة للدفاع عنه، فقد كررها مراراً منذ سنوات، أن على الدول العربية دفع رسوم باهظة مقابل حمايتها. بل قد صرح يوماً، بأحقية أميركا بنصف نفط الكويت مقابل تحريرها من صدام حسين. طبعاً هناك تداعيات سلبية أخرى محتملة تجاه فلسطين وإيران، والوقت كفيل أن يوضحها.
لا يعني هذا النفور من الشرق الأوسط، توقف سياسة بيع الأسلحة الأميركية للشرق الأوسط (ولجميع أنحاء العالم). فهذا بِزْنِسْ وتجارة ومن أولويات سياسته الاقتصادية الجديدة التي تشجع تصدير المنتجات الأميركية، وبأعلى الأسعار. ولكن كما أثبتت الصفقات السابقة، تبقى هذه الأسلحة درجة أو درجتين أقل من قوة الأسلحة المزودة لإسرائيل، ولا تفيد إلا في النزاعات الداخلية أو الإقليمية. أي أن الهدف، كما ذكر جيمس ووزلي، الرئيس الأسبق لوكالات الاستخبارات الأميركية (CIA)، بأن أسلوب ترويض الدول العربية المشاكسة والمؤيدة للإرهاب، هو استنزاف أموالها لتصبح فقيرة! وما قانون «جاستا» الجديد إلا إحدى وسائل شفط هذه الأموال الفائضة.
كما أن مفهوم التجارة الناجحة يرتكز على أن الزبون دائماً على حق وصواب، ولذلك لا يتوقع المراقبون بأن تتشبث أميركا بنشر مفاهيمها عن الديموقراطية، وحقوق الانسان، والحريات بل ستغض النظر عنها، ولو جزئياً، بالنسبة لزبائنها.
لا بد لهكذا تصريحات وتوقعات أن تولد رعباً لدى الحكومات العربية، لما تنبئ من احتمال نمو فراغ مغرٍ لأطراف كثيرة محلية ودولية. وحيث إن جميع الدول العربية لم تستفد من النصف قرن الماضي لبناء مجتمعاتها واقتصاداتها، فما زالت في وضع ضعيف وغير مستقر. فلا تستطيع الدفاع عن نفسها، ولا تمتلك اقتصادات منتجة تستوعب الأجيال الشابة التي تشكل أغلبية سكانها، كما لم تتعلم معنى كلمة الاستدامة.

الاستنتاج
فوز ترامب كرئيس للولايات المتحدة:
• ربما يخفف من احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة مع روسيا والصين.
• ربما ينهي مشكلة أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، المصطنعة أصلاً من صقور الحكومة الأميركية.
• ربما يخفف من المواجهة العسكرية مع الصين في بحر الصين الجنوبي، لفشل سياسة أوباما «للقفز إلى آسيا» وارتفاع كلفتها.
• ربما يلغي أو يقلص حلف الناتو، ويخفف من طيش الحلفاء الصغار.
• ربما يبدأ بالتعاون مع روسيا لمحاربة الإرهاب في سوريا والعراق وليبيا، وربما يوكل هذه المهمة لروسيا.
• ربما ينشط الاقتصاد الأميركي، بالرغم من وضعه المتردي والسيئ.
• ربما أمور كثيرة أخرى.
ولكن قد لا يستمر احتضان ودعم أميركا لدول الخليج بنفس الشدة التي تعودت عليها، كما قد تزداد وسائل استنزاف أموالها الفائضة. لذلك، على الدول العربية، وبالأخص الخليجية، إعادة حساباتها بسرعة حتى تستوعب الوضع الجديد، الذي لا يبدو في صالحها بتاتاً.

ما العمل؟
على الدول العربية الإسراع في الإصلاحات الاقتصادية، وبالتبعية الإصلاحات السياسية والاجتماعية. وهذه خطوات وأعمال كبيرة ومعقدة وتفاصيلها تعبئ كتباً كاملة، ولكن نجاحها يعتمد على مفهوم جديد اسمه «الشفافية». فزيادة الشفافية ضروري جداً لاطلاع الشعوب على حقيقة أوضاعها، فعندئذٍ فقط يمكن اقناعها بقبول الإصلاحات التي ستضر بمستوى معيشتها لسنوات، قبل أن تظهر النتائج الإيجابية.
كما أن الشفافية تتطلب كشف جميع الأوراق المتعلقة بالسياسات المتبعة، وكذلك بالمصاريف والايرادات مع تبرير كل واحدة منها. فعدم فعل ذلك، سيعني بقاء الشك والتذمر، مما سيعطل الإصلاح الحقيقي ويؤكد رؤية ترامب بأنها منطقة فوضى وتخبط.

مروان سلامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق