القطاع العام بين الإصلاح والخصخصة

img

عامر-ذياب

يطرح اقتصاديون موضوع إصلاح القطاع العام بدلاً عن تفكيكه وانتهاج مشروع التخصيص. لاشك أن منطق هؤلاء الاقتصاديين يعتمد على حماية حقوق العاملين، وأحيانا حماية الأموال العامة، أو الزعم بأن المؤسسات المنوي تخصيصها تدر إيرادات على الخزينة العامة ومن الضير تحويل ملكيتها للقطاع الخاص. هناك وجهات نظر مقبولة في بعض هذه الطروحات، لكن تظل مسألة التملك أساسية في مسألة الإصلاح، حيث ان أهم عناصر الفساد في الإدارة عدم اهتمام القائمين عليها بالأصول التي أوكلت إدارتها لهم، حيث لا تكون لهم فيها مصالح أو ملكية. كما أن مشكلات القطاع العام في بلدان عديدة، ومنها الكويت، تتمثل فيما يتعلق بالتوظيف ومدى توافق متطلبات العمل مع سياسات التوظيف.. تبين دراسات صندوق النقد والبنك الدولي أن القطاع العام يوظف أعداداً كبيرة من المواطنين في بلدان عديدة مثقلة بالديون وتحقق موازناتها الحكومية عجزاً مستمراً. وتساهم عملية التوظيف غير الناجعة في زيادة حجم العجز في تلك الموازنات. ونظراً للاختلالات في النظام الاقتصادي في البلدان المعنية، وضعف دور القطاع الخاص في الحياة الاقتصادية، فإن الحكومات لا تجد سبيلاً للتعامل مع التدفقات في سوق العمل سوى التوظيف في الدوائر الحكومية والمؤسسات المملوكة من القطاع العام، بصرف النظر عن المتطلبات الحقيقية. معلوم أن البطالة المقنعة قد تكون بديلاً سياسياً أقل ضرراً للسلطات الحاكمة في هذه البلدان قياساً بالبطالة السافرة.. بيد أن هذا البديل يعني اعتماد سياسات اقتصادية تعزز التشوهات وعدم الكفاءة.
تواجه الكويت تحديات واضحة في عملية إصلاح القطاع العام وسياسات التوظيف.. ويذكر تقرير ديوان المحاسبة السنوي عن السنة المالية 2016/2015 أن جملة الرواتب والأجور (الباب الأول وما يصرف لهذا البند من الباب الخامس) بلغت 9.2 مليارات دينار أو ما يزيد قليلاً على 50 في المئة من الاعتمادات الإجمالية للإنفاق في تلك الميزانية. ويبين تقرير للإدارة المركزية للإحصاء بأنه في نهاية سبتمبر 2016 كانت قوة العمل الوطنية تساوي 352 ألفاً يعمل منها 272 ألفاً في الحكومة والقطاع العام، اي بنسبة 77 في المئة من العمالة الوطنية. هناك، أيضا، عشرات الآلاف من العمالة الوافدة التي تعمل في القطاع العام، منهم أطباء ومدرسون ومهندسون وممرضون وغيرهم من العاملين في الوظائف المساعدة.. ولا تزال المنشآت الحكومية توظف غير الكويتيين نظراً لعدم توافر العمالة الوطنية المؤهلة للعمل في مهن ووظائف عديدة.. لكن هناك الكثير ممن يعملون في الدوائر الحكومية في وظائف مكررة أو غير ذات أهمية ويتقاضون رواتب وأجوراً مجزية دون المساهمة في عطاء أو مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي.. قد لا تتوافر وظائف ملائمة للعديد من المواطنين في القطاع الخاص، أو أن الرواتب والأجور التي تمنح لهم في مؤسسات هذا القطاع لا تتناسب مع توقعاتهم أو تتوازى مع ما يمكن الحصول عليه من القطاع العام.. القطاع العام في الكويت يختلف عن نوعية وحجم أي قطاع عام في الدول ذات النظام الرأسمالي، حيث ان المسؤوليات الاقتصادية واسعة، وتشمل التعليم والرعاية الصحية وإنتاج وتوزيع المياه والكهرباء والاتصالات الأرضية وإدارة مرافق البنية التحتية والموانئ والمطارات. وبطبيعة الحال، هناك المسؤوليات التقليدية للحكومة، ومنها الأمن والدفاع والجمارك والقضاء.
هل يمكن، إذاً، إصلاح القطاع العام في الكويت دون اعتماد برنامج واسع للتخصيص؟ الإصلاح يتطلب مراجعة واسعة للنفقات، ومن أهمها النفقات الخاصة بالرواتب والأجور والالتزامات الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب تعديلات هيكلية للمسؤوليات الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص، وتحميل جزء مهم من تكاليف التوظيف على القطاع الخاص. لابد من تحفيز العاملين للانخراط في مؤسسات القطاع الخاص بعد إنجاز مشروع واسع النطاق للتخصيص يرشد من دور الدولة في النشاط الاقتصادي. أيضا، لابد من إلزام مؤسسات القطاع الخاص بتوفير مستويات للرواتب والأجور تكون مناسبة مع متطلبات المعيشة في البلاد، ولتوقعات العمالة الوطنية. هناك أهمية لوضع معايير لتوظيف العمالة الوافدة في القطاع الخاص، إذ لابد من تحديد وظائف معلومة من قبل هيئة القوى العمالة وضرورة وضع برامج زمنية لإحلال العمالة الوطنية في هذه الوظائف. بطبيعة الحال، الأمر يستوجب إصلاح النظام التعليمي بما يعزز من تأهيل عمالة وطنية ماهرة خلال السنوات القادمة. لذلك، فإن إصلاح القطاع العام لابد أن يواكب إصلاحاً هيكلياً شاملاً للنظام الاقتصادي يتم إنجازه على مدى زمني معقول، ربما عشر سنوات.. إصلاح القطاع العام يعني تخفيض النفقات العامة بشكل ممنهج وبناء على منظور تنموي واضح، وفي ذات الوقت الارتقاء بالأداء الاقتصادي العام في البلاد وتشغيل المنشآت على أسس فنية.
لن تكون مهمة الإصلاح يسيرة، ولكن إصلاح القطاع العام والإدارة الحكومية يمثل أهمية بالغة لمعالجة الاختلالات البنيوية في الحياة الاقتصادية.

عامر ذياب التميمي
(مستشار وباحث اقتصادي كويتي)
Email: ameraltameemi@gmail.com

الكاتب كان الاخبارية

كان الاخبارية

مواضيع متعلقة

اترك رداً