المؤلف رهين «ذمة» دور النشر في حقوقه المادية

img

مكتبة

ليلاس سويدان |
هل يقتصر استغلال الكاتب والمترجم العربي على تقاسم أي جائزة أدبية يحصل عليها، كما تفعل بعض دور النشر؟ وهو الموضوع الذي أثرناه الأسبوع الماضي، ربما يجب أن نستكمل بحث العلاقة بين المؤلف والناشر من زوايا أخرى يعلمها الجميع، ولكن قلما تطرح للنقاش، وإن كانت تذكر عند الحديث عن حقوق الملكية الفكرية والأدبية للمؤلف العربي، التي من ضمنها الحقوق المادية، وللصدفة وأنا أبحث في هذا الموضوع، قرأت مقالا لابراهيم المازني، المنشور في مجلة الرسالة 1938، «النشر في مصر»، هذا المقال الذي لو قرأه الكاتب اليوم ربما لضحك أو بكى، لإن ما قاله المازني منذ ما يقارب الثمانين عاما مازال يحدث اليوم، وهو يتحدث عن عدم قبضه لمستحقات كتابه من ناشر، وفوضى عملية التوزيع والنشر، بحيث لا يعلم الكاتب إن كانت كتبه توزع وتروج بالشكل المتفق عليه، ضمن تناوله لجوانب أخرى تتعلق بعملية الطباعة النشر وصعوباتها في مصر والوطن العربي وقلة العائد المادي، حيث يقول في فقرة من مقاله، وهو يتحدث عن «المكاتب»، التي يقصد بها الناشرين، «لكن أصحاب المكاتب يختلفون، ولا سبيل إلى الاستغناء عنهم، وفيهم الأمين ذو الذمة، وفيهم الطامع المنهوم، الذي لا يشبع ولا يرضيه إلا أن يخطف كتبك بغير ثمن».
نقطة مبهمة
صرنا في قرن جديد أو زمن آخر غير زمن المازني، ولا تزال تلك المسألة الشائكة على ما هي عليه، رغم تطور صناعة الكتاب، فنقطة المستحقات أو الحق المادي للكاتب هي النقطة المبهمة في علاقة الطرفين، ولا دليل عليها غير تقرير دار النشر، الذي يقدم للكاتب في موعد متفق عليه بينهما، ويصرح عن بيع عدد ما من الكتب، يحسب من بعدها مستحقات الكاتب عنها بحسب الاتفاق المنصوص عليه في العقد، مع ملاحظة أن البعض لا يوقع عقودا، ويكتفي بالاتفاق الشفهي أو «الثقة» بين الطرفين.
من علاقاتي الشخصية، ومن خلال دردشاتي مع بعض الكتاب، أستطيع أن أؤكد أن بعضهم لا تجهد بعض دور النشر نفسها بمخاطبته أصلا لإرسال مستحقاته المادية، مع أنه قد يكون ــ الكاتب ــ قد طبع الكتاب على حسابه الشخصي! بمعنى أنها قبضت ثمن تكاليف النشر والطباعة، واعتبرت ربح البيع من حقها، ما دام الكاتب لا يطالب بها. بعض الكتاب يصمتون ولا يناقشون حقوقهم المادية، لأن هدفهم الأول من النشر، كما قال لي بعضهم، هو أن تعرف اسماؤهم وتنتشر كتبهم، لذلك وفي مقابل مجرد طباعة الكتاب وتوزيعه، لا يطالبون بمستحقاتهم التي يعلمون انها ستكون زهيدة جدا بحسب «حسابات» دور النشر، ولا تستحق حتى المطالبة بها.
وبعضهم الآخر يريد نشر كتب ليست مرغوبة من دور نشر كثيرة في زمن الرواية، مثل الكتب الفكرية أو دواوين الشعر، لذلك يعتبر موافقة دار نشر ما على طباعة كتابه «فضل من الله» ليس مهما، بعده أن يحصل على حفنة من النقود.
عدد نسخ غامض
هناك من يهمس بأن بعض دور النشر لا تصرح بالرقم الحقيقي، وهناك وسائل عدة لتمويه العدد المطبوع، والعدد المباع؛ فقد تطبع طبعة أولى مثلا، تعقبها طبعة تسمى «الأولى» أيضا بحيث يُخدع الكاتب.
ومما يستدعي التفكير والشك عدم تمكن الكاتب من التحقق ما إذا كان عدد الكتب المباعة الذي ذكرته دار النشر له هو العدد الحقيقي؟ دور نشر أخرى لا تمنح الكاتب مبلغا ماديا مقابل حق النشر، ولا نسبة من مبيعات الكتب، بل تعطيه عددا معينا من نسخ الكتاب متفق عليه، ولكن مصاريف الشحن التي قد تكون أغلى من ثمن النسخ ويدفعها الكاتب! وهناك نقطة مهمة هي أن دور النشر الكبيرة لديها مطابع، لذلك من الصعب معرفة عدد النسخ المطبوعة بدقة، وبذلك يمكن أن تكون الطبعة الأولى نصف أو ضعف العدد المتفق عليه. وحتى المطابع غير المملوكة للناشر لا يمكن أن تفصح عن عدد النسخ المطبوعة حفاظا على علاقتها بعميلها الناشر. فأحد الكتاب اتفق مع دار نشر على طبعة أولى من ألف نسخة، ولكنه فوجئ بأن مكتبة في بلد عربي تنشط فيه القراءة وسوق الكتب، قد اشترت ألفين من أول طبعة! بمعنى أن دار النشر طبعت أكبر من العدد المتفق عليه بكثير، وضللت الكاتب، حتى لا تحاسبه على نسبة أعلى من المبيعات، وبالمناسبة هذه الرواية كانت رائجة ومباعة كثيرا، وظلت لسنوات عدة بعدها تباع على أنها «الطبعة الأولى»، حتى بعد انتقال الكاتب إلى دار نشر أخرى، فمن يستطيع أن يؤكد أو ينفي أو يشرح ما يحدث؟! تشعر وكأنك تبحث عن إبرة في كومة قش، وأنت تحاول تجد آلية واضحة ومحددة ومتفقاً عليها، تضمن حقوق المؤلف المادية، في عملية طباعة ونشر قانونها الوحيد «كل واحد وظروفه»!

تجارب كتاب

ابراهيم فرغلي ... يزن الحاج

آلية غربية
الروائي ابراهيم فرغلي، وبما أنه تعامل مع دور نشر عدة، تحدثت معه حول الموضوع، وتصوره لكيفية الاستفادة من التجربة الغربية في مسألة متابعة الكاتب لما يباع من كتبه:
أولا مثل هذا التقرير هو تقليد غير موجود لدى أغلب دور النشر المتوسطة، من الأساس، هم يعتبرون أن كلامهم ثقة! وإذا قالوا ان الكتاب لا يوزع فهذا حق لا يأتيه الباطل، وإن قالوا إنهم وزعوا الكتاب كاملا فهذا أيضا حق لا تثبته تقارير! لكن ناشري الأحدث للأمانة يقدم لي تقريرا مفصلا بحركة الكتاب. طبعا مدى الدقة هذه أيضا تعتمد على الناشر، فهذا تقرير منه وهو الجهة الوحيدة التي تقول ما تقول.
في الغرب طبعا الوضع مختلف أساسا من حيث فلسفة التعاقد كلها من الأساس. فهناك أولا لا بد أن يدفع الناشر حقوق الكتاب للمؤلف، وهي مقابل سماح الكاتب للناشر بنشر مؤلفه، ثم يأتي بعد ذلك الاتفاق على نسبة المباع من الكتاب، أما المتابعة المالية فيقوم بها الوكيل الأدبي، وهو الذي يدقق في ارقام المبيعات المقدمة من الناشر، والأمور هناك مراقبة أساسا بشكل تلقائي من خلال ما يعرف ببصمة الكتاب الموجودة على الغلاف الخلفي، التي يمرر عليها الكتاب أثناء بيعه او شرائه فيمكن حصر مبيعات اي كتاب وفقا لرقم الإيداع ISPN.
حقوق المترجم
المترجمون أيضا ممن «تستقوي» عليهم دور النشر بوضع شروط مجحفة لحقوق المترجم المادية. الكاتب والمترجم يزن الحاج حدثنا عن تجربته مع دور النشر كقاص ومترجم:
طبعت مجموعتي القصصيّة الوحيدة على حسابي، لذلك لم تكن هناك مشكلة مع أيّ ناشر لأنّني أمتلك الحقوق كاملةً، ويحق لي طباعتها متى شئت. بالنسبة إلى الترجمة، الوضع شائك لأنّ العقود مع دور النشر الخاصة تشترط البيع القطعيّ للترجمة، وبالتالي لا يختلف الأمر مع المترجم إنْ طُبع الكتاب طبعة واحدة أو عشر طبعات، لأنه قبض حقوقه كمترجم بصرف النظر عن عدد الطبعات. بالمقابل، يمكن لمن ترجم كتاباً لدار نشر حكوميّة أن يعيد نشرها مع دار ثانية بعد خمس سنوات، لو تمكّنت الدار الثانية من تأمين حقوق الكتاب الأجنبيّ بعد انتهاء عقد الدار الأولى.
ولكن بالعموم تتعامل معظم دور النشر مع المترجم كعامل بالقطعة للأسف، وليس كشريك في عملية النشر، إذ يعتبرون أنّ الترجمة أدنى مستوى من التأليف، مع أنّ الترجمة فعلياً هي الحامل الأساسي للثقافة العربيّة حالياً. بل ويتم هضم حقوقه إما عن طريق تخفيض الأجور أو دفعها مقابل عدد كلمات الترجمة العربية لا النص الأصلي، لأن عدد الكلمات في الترجمة أقل بسبب طبيعة اللغة العربيّة، أو عن طريق إخفاء العقود الجانبيّة التي يوقّعها الناشر مع مموّل آخر للترجمة، مع أنّ مبلغ التمويل هو من حق المترجم، وليس الناشر. وهذه النقطة الأخيرة تقوم بها دور النشر الكبرى غالباً، أما الدور الجديدة فتتعامل بمهنيّة أكبر. وهذا مبشّر.

الكاتب كان الاخبارية

كان الاخبارية

مواضيع متعلقة

اترك رداً